هاشم معروف الحسني
مقدمة د
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
رغم وفرة أسباب العيش لديه . . كل هذه الاخلاق والصفات فيه ، برزت عنده بصيغتها الجديدة منذ بدأ حياته الجديدة كرجل دين . لكن هذه الاخلاق والصفات ذاتها اتخذت صيغتها الجديدة مسيّجة بسياج حصين منيع من الورع بأعمق معانيه وأكثرها شمولية ، إنه الورع الذي يصون صاحبه لا من مقاربة المحرّمات الدينية التعبّدية وحدها ، بل يصونه - أولا وآخرا - من مقاربة المحرّمات التعامليّة بخاصة : دينية ، واجتماعية ، وانسانية ووطنية . . إن هذا النوع التعاملي من الورع ، هو ما يضع الفارق الحاسم بين الورع العادي والاستثنائي ، أو بين الورع السطحي والعمقي ، أو بين الورع الزائف والحقيقي . . ورع العلّامة السيد هاشم معروف كان ورعا ذا طبيعة شمولية ، أولا ، وكان - إلى ذلك - ورعا استثنائيا وعمقيا وحقيقيا . . نقول هذا لا اعتباطا ولا امتداحا . . وإنما نقوله اعتقادا واستنادا إلى الواقع والشاهد والملموس من سيرته النقية . . فنحن نعرف من سيرته هذه أنه : أولا : كان له من صدق إيمانه الديني حصانة قوية وراسخة تمنع عنه الوقوع في شرك المغريات الآثمة مهما تكن عليه من قوة الاغراء وسحره . . وهذا هو الورع الديني . . ثانيا : كان له من ادراكه السليم وحدسه الصائب ما يعصمه من كلا الشّرّين : شر العزلة المطلقة عن الناس دون تمييز بعضهم من بعض ، وشر الاندماج المطلق بالناس دون الحيطة والحذر من بعضهم دون بعض . بفضل هذه العصمة أمكنه اجتناب أهل الشر منهم ، مع الإفادة من صلته بالخيّرين فيهم . . وهذا الورع الاجتماعي . ثالثا : كان من سماحة القلب ونبل العاطفة ما يضعه قريبا من الناس الضعفاء والبؤساء والمعذّبين . . بفضل هذا القرب الحميم استطاع أن يبلسم بعض الجراح قدر ما لديه من الممكنات . . وهذا هو الورع الانساني . . رابعا : كان له من شرف العقل ونزاهة الضمير ما يبعده عن أهل